القاضي عبد الجبار الهمذاني
414
المغني في أبواب التوحيد والعدل
الضرر الّذي لا نفع فيه البتة ، ولا يجوز فيما هذا حاله أن يرضى فيها بالصبر والتسليم ، وإنما يلزم ذلك فيما له فيه نفع عظيم . وإذا فعله فيه من هو بتدبيره أعرف ، يلزمه الصبر والتسليم . وإذا ثبت ذلك صح ما قلناه من كون هذه الآلام امتحانا ، وأنها ليست عقوبة . وليس له أن يقول إنما يلزمه الصبر والتسليم لكون المفعول به من الألم حسنا لا لما ذكرتم ، وذلك لأن حسن فعل الفاعل له لا يوجب أن يحسن منه الرضا والصبر والتسلم ، كما أن حسن النفع لا يوجب حسن الأخذ ، وإن كان لأحدهما تعلق بالآخر . وإنما يجب ما ذكرناه من حيث كان في إحدى الحالتين للألم عاقبة نفع ، فصار كأنه غير معتد به في كونه ضررا ، فلزمه التسليم والرضا والصبر . وفي إحدى الحالتين لما كان ضررا محضا لا يؤدّى إلى نفع ، لزمه التحرّز منه وأن يجتهد في دفعه عن نفسه . ومما يبين ما ذكرناه أن التكليف لما كان طريق نفع عظيم ، لزم فيه الصبر والتسلم ؛ ولو كان إلزاما للشاق من غير عاقبة نفع ، لم يكن ليجب ذلك . ومما يبين هذه الطريقة ما قد ثبت فيما ينزل بالمكلف من العمى والزمانة « 1 » أنه يلزمه الرضا به والتسليم ، وكذلك ما يلحقه من المضار بموت القريب والحميم وغير ذلك . فلو كانت عقوبة لم يجب على / العاقل ما ذكرناه . ومما يدل على ذلك أيضا أن الآلام لو كانت لا تحسن إلا عقوبة لما حسن من أحدنا أن يؤلم نفسه بإتعاب النفس في طلب العلوم والآداب والتجارات ، وفي العلاجات ؛ لأنه لا يحسن من المستحق للعقوبة أن يعاقب نفسه ، وإنما يحسن من غيره أن يعاقبه ، كما
--> ( 1 ) في الأصل الرمالة . والزمانة العاهة .